الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
128
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
المال وإظهار التضييق والخشونة في المأكل والملبس سهل على من أحبّ المدح بالزهد ، فكم من الرهبان والمرائين تركوا مال الدنيا وروّضوا أنفسهم كل يوم على قدر قليل من القوت ، واكتفوا من المسكن بأي موضع اتّفق لهم ، وكان غرضهم من ذلك أن يعرفهم الناس بالزهد ويمدحهم عليه ، فهم تركوا المال لنيل الجاه ، فالزهد الحقيقي ترك المال والجاه بل جميع حظوظ النفس من الدنيا ، وعلامة ذلك استواء الغنى والفقر والذم والمدح والذّل والعزّ لأجل غلبة الأنس باللَّه ، إذ ما لم يغلب على القلب الأنس باللَّه والحبّ له لم يخرج عنه حبّ الدنيا بكلَّيّته ، إذ محبة اللَّه ومحبة الدنيا في القلب كالماء والهواء في القدح ، فإذا دخل أحدهما خرج الآخر ، فكلاهما لا يجتمعان ولا يرتفعان أيضا ، فالقلب المملوء من حبّ الدنيا يكون خاليا عن حبّ اللَّه ، كما أنّ القلب المشغول بحبّ اللَّه وأنسه فارغ عن حب الدنيا ، وبقدر ما يخرج أحدهما يدخل الآخر وبالعكس . أقول : تقدم قول السجاد عليه السّلام في بيان أقسام الناس في شهواتهم للدنيا من قوله عليه السّلام : " فإن شهوات الخلق مختلفة " في بيان أقسام الناس في شهواتهم للدنيا من قوله عليه السّلام : " فإن شهوات الخلق مختلفة " فمنه يظهر أغلب ما ذكر هنا ، فراجعه . وكيف كان فالزهد من أهمّ ما يجب على السالك ، بل بدونه لا يمكن السلوك ، وإنما أريد الزهد لفراغ القلب للَّه وللآخرة . ففي الكافي في باب ذمّ الدنيا والزهد فيها بالإسناد عن سفيان بن عيينة قال : سمعت أبا عبد اللَّه عليه السّلام وهو يقول : " كلّ قلب فيه شكّ أو شرك فهو ساقط ، وإنما أرادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة " . وفيه بإسناده عن علي بن هاشم بن البريد عن أبيه أنّ رجلا سأل علي بن الحسين عليه السّلام عن الزهد ، فقال : " عشرة أشياء فأعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع ، وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين ، وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا ، ألا وإنّ الزهد في آية من كتاب اللَّه عز وجل : لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتيكم 57 : 23 " .